أمن

أزمة البحر الأحمر حصيلة سنوات من التصعيد

لا تشكل أزمة البحر الأحمر انفجارا مفاجئا لأعمال العنف، بل هي أحدث فصول حملة تدوم منذ عقد، دفعت تدريجيا بجماعة الحوثي في اليمن إلى واجهة الأحداث العالمية.

المدمرة الأمريكية يو إس إس كارني (دي دي جي-64) تعترض صواريخ ومسيرات أطلقها الحوثيون في البحر الأحمر بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023. [البحرية الأمريكية]
المدمرة الأمريكية يو إس إس كارني (دي دي جي-64) تعترض صواريخ ومسيرات أطلقها الحوثيون في البحر الأحمر بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023. [البحرية الأمريكية]

فريق عمل الفاصل |

لم تنشأ أزمة البحر الأحمر الراهنة بين ليلة وضحاها، بل جاءت بعد عقد من التصعيد المتواصل لاعتداءات الحوثيين.

بدأ مسار الجماعة بالاستيلاء على السلطة في اليمن، ثم اتسع ليشمل شن هجمات على السعودية وصولا إلى تهديد التجارة العالمية.

يساعد فهم هذا المسار التصاعدي في تفسير تزايد تعامل الحكومات مع الحوثيين بوصفهم تحديا للأمن الدولي.

في أيلول/سبتمبر 2014، تقدم المقاتلون الحوثيون جنوبا من صعدة وسيطروا على صنعاء، فأخرجوا الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا من السلطة.

بحلول مطلع العام 2015، كانت الجماعة قد سيطرت على أجزاء واسعة من شمال اليمن بقوة السلاح لا عبر الانتخابات أو تفويض شعبي.

وقدم الحرس الثوري الإيراني وحزب الله للجماعة التدريب والأسلحة والمساعدة الاستراتيجية، ما أسهم في إحداث تحول في قدراتها العسكرية.

من الحرب الأهلية في اليمن إلى العدوان الإقليمي

شن الحوثيون لاحقا هجمات متكررة بالصواريخ والمسيرات على مدن ومطارات ومرافق للطاقة وتجمعات سكانية حدودية في السعودية.

وفي حزيران/يونيو 2019، استهدفت مسيرة حوثية قاعة الوصول في مطار أبها الدولي، ما أسفر عن إصابة 26 شخصا بينهم نساء وأطفال.

كذلك في 14 أيلول/سبتمبر 2019، استهدفت طائرات مسيرة وصواريخ موجهة في هجوم منسق منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في بقيق وخريص، ما أدى إلى تعطّل الإنتاج.

وتسبب الهجوم في وقف الإنتاج اليومي مؤقتا بنحو 5.7 مليون برميل، ما أظهر حجم التأثير الاقتصادي العالمي الذي يمكن للجماعة إحداثه.

ألحقت أعمال عنف الحوثيين معاناة جسيمة داخل اليمن جراء عمليات الحصار والاحتجاز التعسفي والتعذيب المزعوم وتجنيد الأطفال والهجمات.

ووثق مسؤولون اعتداءات جسيمة واسعة، فيما خلّف الصراع المستمر في اليمن على مر السنوات خسائر بشرية كارثية.

رزحت تعز تحت القتال والحصار لفترة طويلة، وواجه عمال الإغاثة والمدنيون في المناطق الخاضة للحوثيين الاحتجاز والترهيب والعنف.

وقوضت هذه الممارسات الادعاءات بأن الحملة العسكرية للجماعة تعبر بالدرجة الأولى عن الشعب اليمني وتطلعاته السياسية.

هجمات البحر الأحمر تحول الصراع المحلي إلى صراع عالمي

ابتداء من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وسع الحوثيون نطاق حملتهم لتشمل الملاحة الدولية، متذرعين بالتضامن مع الفلسطينيين خلال حرب غزة.

فهاجموا السفن التجارية بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات والقوارب المسيرة في البحر الأحمر وخليج عدن.

أجبرت هذه الهجمات العديد من شركات الشحن على تغيير مسار سفنها والإبحار حول إفريقيا، ما أدى إلى إطالة مدة النقل وارتفاع كلفة التأمين وزيادة الضغط على سلاسل الإمداد العالمية.

وشهدت قناة السويس لاحقا تراجعا كبيرا في العائدات، مع انخفاض حركة الملاحة نتيجة تصاعد المخاوف الأمنية وتحويل مسارات السفن.

وردت الولايات المتحدة والشركاء الدوليون بنشر قوات بحرية وتنفيذ ضربات ضد البنى التحتية الصاروخية ومنشآت الطائرات المسيرة التابعة للحوثيين.

وعكس هذا الرد قناعة أوسع بأن حرية الملاحة لا يمكن أن تبقى رهينة موافقة الجماعات المسلحة على عبور كل سفينة.

وساعد الدعم الذي قدمته إيران وحزب الله وجهات إقليمية أخرى في تحويل الحوثيين إلى ميليشيا إجرامية منظمة قادرة على إحداث دمار هائل وممارسة العنف.

وأصبحت ترسانة الجماعة اليوم تضم صواريخ باليستية وصواريخ كروز وقوارب مسيرة مفخخة وأنظمة عسكرية أخرى تتخطى بكثير قدرات حركات التمرد التقليدية.

وتشير الأدلة إلى أن إمكانات حركة باتت تتجاوز حدود اليمن بكثير، وتخدم بصورة متزايدة الأهداف الإيرانية الإقليمية.

لذلك، لا تشكل المواجهة الحالية مجرد فصل آخر من فصول الحرب الأهلية في اليمن، بل هي ذروة مسار تصعيدي امتد لسنوات.

هل أعجبك هذا المقال؟


سياسة الفاصل بشأن التعليقات